top of page

“الورق والهوية: سيمياء الجنيه الإنكليزي الفلسطيني في مواجهة الطمس”

  • saad25105
  • ٢٧ مارس
  • 2 دقائق قراءة


بقلم: سيلينا السعيد – مسقط


في العالم العربي، ما بين الغبار والصمت، تختبئ أوراق صغيرة تعادل كتبًا كاملة في الشهادة.

أوراق نقد، لا تُشترى بها اليوم سلعة، لكنها تُشترى بها الذاكرة.

من بينها، تبرز ورقة واحدة لم تسقط: الجنيه الفلسطيني.

ليست قيمته في ما يُصرف به، بل في ما يُستعاد به،

فهو لا يُوقّع من بنك فقط، بل من حقبة، من وطن، من وجدان جماعي لم ينكسر رغم محاولات المحو المتعاقبة.

في تصميم الجنيه الإنكليزي الفلسطيني، الذي صدر أول مرة في عشرينيات القرن الماضي،

تتجاور اللغات الثلاث:

العربية، العبرية، والإنجليزية

تجاورٌ فرضه الانتداب البريطاني، لكنه كشف عن شيء أعمق:

أن فلسطين، وإن كانت تحت الاستعمار،

كانت تُسمّي نفسها بلغتها، وتُثبت حضورها بالكتابة.

فكلمات مثل:

“جنيه واحد فلسطيني – One Palestinian Pound – לירה ארץ־ישראלית אחת”

(ليرة أرض-إسرائيلية واحدة)

تظهر أن اللغة لم تكن بريئة،

فالعبرية التي كُتبت بتأنٍّ على العملة، حملت منذ البداية بذور الاستيلاء الرمزي،

سعت لتثبيت اسم “أرض إسرائيل” حتى قبل نشوء الكيان.

لكن الجنيه الفلسطيني، كوثيقة، لم يعبّر فقط عن السوق،

بل عن الذات الجمعية للفلسطينيين،

عن لحظة وجود لم تندثر رغم سقوط الدولة.

وقد كان اختفاء هذه العملة بعد النكبة بمثابة إزاحة رمزية للهوية من التداول العام،

إذ أتى بعدها الجنيه الإسرائيلي، مصحوبًا بتصميم يشبه سلفه،

لكنّ الاسم تغيّر:

“בנק לאומי לישראל – بنك ليئومي لإسرائيل”

و تعني البنك القومي الإسرائيلي

“חמש לירות ישראליות – خمس جنيهات إسرائيلية”

لغة السلطة فرضت وجودها،

لكن في اللاوعي الجمعي الفلسطيني،

ظلّ هناك سطر لم يُمحَ:

“هنا كانت فلسطين.”

في إحدى الوثائق العبرية نقرأ:

“הארץ הזאת – היא מולדתו של העם היהודי, אך גם לבם של עמים אחרים פועם בה.”

(هذه الأرض – هي موطن للشعب اليهودي، ولكن أيضًا قلوب شعوب أخرى تنبض فيها.)

ربما دون قصد، سُلّط الضوء هنا على حقيقة تاريخية:

أن الأرض لا تنتمي فقط إلى من يملك طابوها،

بل إلى من ينبض قلبه فيها.

الجنيه الفلسطيني لا يزال اليوم يُباع في المزادات كقطعة نادرة،

لكن ما لا يُباع هو دلالته:

إنه ورقة كتبت فيها الذاكرة اسمها بالحبر العربي،

ورفضت أن تستبدله بأي خطاب بديل.

في المقابل، نشيد “هاتيكفاه”، الذي أُعلن نشيدًا وطنيًا لإسرائيل، جاء ليجذّر حلمًا آخر:

“עוֹד לֹא אָבְדָה תִּקְוָתֵנוּ…”

(لم تضع بعدُ أملُنا…)

لكن الفلسطينيين لم يردّوا بنشيد…

بل بجنيه،

ورقة صغيرة، صامتة، لكنها ما زالت تنطق باسم الأرض.

في النهاية، ما يُطبع بالحبر قد يُمحى،

لكن ما يُطبع باللغة… يبقى،

وما يُطبع بالوجدان… لا يسقط بالتقادم.

ملاحظة:

السيمياء أو السيميولوجيا، وفي اللغة الفرنسية

‏Sémiotique المشتقة من الكلمة اليونانيةSémeion التي تعني Signe أي العلامة.

 
 
 

Comentarios


bottom of page